أحمد زكي صفوت

13

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

7 - رد معاوية على الحسن « أما بعد : فقد فهمت ما ذكرت به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله ، وذكرت تنازع المسلمين الأمر بعده ، فصرّحت بتهمة أبى بكر الصديق وعمر وأبى عبيدة الأمين وصلحاء المهاجرين ، فكرهت لك ذلك . إن الأمة لمّا تنازعت الأمر بينها ، رأت قريشا أخلقها به ، فرأت قريش والأنصار وذوو الفضل والدين من المسلمين أن يولّوا من قريش أعلمها باللّه ، وأخشاها له ، وأقواها على الأمر ، فاختاروا أبا بكر ولم يألوا « 1 » ، ولو علموا مكان رجل غير أبى بكر يقوم مقامه ويذبّ عن حرم الإسلام ذبّه ، ما عدلوا بالأمر إلى أبى بكر ، والحال اليوم بيني وبينك على ما كانوا عليه ، فلو علمت أنك أضبط لأمر الرعية ، وأحوط على هذه الأمة ، وأحسن سياسة ، وأكيد للعدو ، وأقوى على جمع الفئ ، لسلّمت لك الأمر بعد أبيك ، فإن أباك سعى على عثمان حتى قتل مظلوما ، فطالب اللّه بدمه ، ومن يطلبه اللّه فلن يفوته ، ثم ابتزّ الأمة أمرها ، وفرّق جماعتها ، فخالقه نظراؤه من أهل السابقة والجهاد والقدم في الإسلام ، وادعى أنهم نكثوا بيعته ، فقاتلهم ، فسفكت الدماء ، واستحلّت الحرم ، ثم أقبل إلينا لا يدّعى علينا بيعة ، ولكنه يريد أن يملكنا اغترارا ، فحاربناه وحاربنا ، ثم صارت الحرب إلى أن اختار رجلا واخترنا رجلا ليحكما بما تصلح عليه الأمة ، وتعود به الجماعة والألفة ، وأخذنا بذلك عليهما ميثاقا ، وعليه مثله ، على الرّضا بما حكما ، فأمضى الحكمان عليه الحكم بما علمت وخلعاه ، فو اللّه ما رضى بالحكم ، ولا صبر لأمر اللّه ، فكيف تدعوني إلى أمر إنما تطلبه بحق أبيك وقد خرج منه ، فانظر لنفسك ولدينك ، والسلام » . ثم قال للحارث وجندب : ارجعا فليس بيني وبينكم إلا السيف . ( شرح ابن أبي الحديد م 4 : ص 9 )

--> ( 1 ) ألا يألو : قصر وأبطأ .